٠٢ مارس ٢٠٠٧

يا هادي الطريق جرت

ذلك هتاف الأمة الحيرى، يتجلجل في صدرها المكظوم كلما بهرتها الشدائد وأجهدتها المفاوز، وفدحتها الضحايا، ووقف بها اللغوب، ودارت ببصرها في الفضاء فلا تتبين نسما لطريق، ولا تتعرف وجها لغاية

يا هادي الطريق جرت

ذلك صراخ القافلة المكروبة، تخبط منذ زمن طويل في معامي الأرض، وخوادع السبل، وأدلاؤها الغواة يلتهمون زادها مع الوحش، ويقتسمون مالها مع الغير، ويغتنمون ضلالها مع الحوادث، حتى قطعوها عن ركب الإنسانية، وتركوها في مطاوي التيه، تنفق جهدها على غير طائل، وتنشد قصدها من غير أمل

يا هادي الطريق جرت

ومن يستطيع اليوم أن يُعَرِّف هذا الهادي يالنداء، أو يخصصه بالوصف، أو يأخذه بالتبعية، لقد تعدد الهداة في القافلة، واختلفت الشياطين بين هؤلاء الهداة فتنازعوا الزعامة، وتجاذبوا الأزِمَّة، فأخرجنا هذا من مذهب إلى مذهب، وصرفنا ذلك من مطلب إلى مطلب، حتى إذا انكشفت عن عيوننا أغطية الغفلة، وجدنا أنفسنا بعد الجهد الجاهد ندور حول الموقف الذي كنا فيه، أو نرجع إلى الموضع الذي فصلنا عنه

على هذه القيادة المتضاربة الأفينة رجعنا القهقرى زهاء ثمانين سنة: رجعنا إلى العهد الذي كنا نهدهد الدستور فيه على هوى السلطان المطلق، وندرب القانون على مصارعة العرف الغالب، ونعلم الشعب الأجير معنى الأمة المالكة

ليتنا عدنا إلى ذلك العهد بأخلاقه ورجولته

فقد كنا على قلتنا أعزة، وعلى فاقتنا أعفة، وعلى جهالتنا أعلم بالخير، وأفهم لمعاني المجتمع -كنا نتواصى على الصبر- ونتعاون على البر، ونتهادى صنائع المعروف، ونحفظ وحدة الأسرة بالحب، وسلطان الدولة بالطاعة، وحقوق الله بالورع، فما كان منا من يخون الأمانة، ويسرق الأمة ويتكئ على النقيصة، ويتحمل على الخبث، ويتجر بالدين، ويتخذ عدو وطنه وليا، ويعتقد خطة غاصبيه شريعة

ولكنا -وا أسفاه- بعد هبة مصطفى، ونهضة سعد، وجهاد خمسة عشر عاما، تمكن فيها السلطان، واستبحر العمران، وازدهر العلم، وتولد النبوغ، وتوحد الشعب، وتكون الرأي، نصاب بهذه النكسة الشديدة، فنعود ناقضين ما أُبرِم، خاسرين ما غنم، اللهم إن النيل لا يزال يفيض، وإن الوادي لا يزال ينبت، وإن الشمس التي أنضجت أذهان الفراعين لا تزال تشع، وإن الأيدي التي غرست أولى الحضارات على العدوتين لا تزال تعمل، فما بالنا اليوم يتقدم الناس ونتأخر، وتتحرر الشعوب الضعيفة ونحن لا نتحرك




هذا المقال كتبه أحمد حسن الزيات في العدد (70) من مجلة الرسالة بتاريخ 5/11/1934م ولاحظوا التشابه بين الأحوال
لن أعلق على هذا حيث أترك لكم هذه المهمة

0 Comments:

© مش عارف - Template by Blogger Sablonlari